انفصام

انفصام

بقلم : طارق اللموشي – تونس

 

 

يجب أن أعترف لكم أن شخصيتين في نفس الجسد لهو شيء مقرف. أنا أمقت الزحمة و أشعر بالاكتئاب عندما أجد الكثير من الناس حولي فما بالك بكوني أشترك في
نفس الجسد مع شخص اخر. هذا غير عادل. لماذا أنا و ليس غيري؟ لماذا أرى كل اولئك الناس الطبيعيين السعداء بشخصيتهم الواحدة حولي؟ ثم من سيحاسب في اخر الأمر؟ أنا أو هو؟ من سيقف أمام الرب و يقرأ له كتاب حسناته و سيئاته؟ أنا أو هو؟ ما ذنبي أن أحاسب على حماقات قام بها شخص اخر لا علاقة لي به سوى اننا نسكن نفس المكان. حرفيا.

قبل ان استمر في الحديث يجب أن أقدم نفسي. اسمي سفيان. و هذا تقديم كاف حسب رأيي. لست مضطرا أن أقدم لكم كل المعلومات عني.
بصراحة لم أتفطن بادئ الأمر لوجوده. كنت اشعر أن هناك شيئا غير عادي و لكني لم أدرك كنهه. كنا كمن يعيشان في شقة واحدة دون أن يرى أحدهما الاخر و دون أن يلتقي أحدهما بالاخر. فقط يشعر كل منهما بان هناك شيئا ما ليس على ما يرام عندما يدخل المطبخ فيجد بقايا طعام على الطاولة في حين أنه لم يأكل شيئا في البيت منذ أسبوع, أو يسمع خطوات خارج غرفته فلا يجرؤ على الخروج حتى لا يقابل شبحا ما. علامات ملقاة هنا و هناك تخبرك أن هناك شخصا ما يتحرك عندما لا تكون موجودا.

و هكذا قضيت سنوات عدة دون أن أفهم تلك البقع السوداء في ذاكرتي. يحصل لي أحيانا أن أفتح عيني فأجد نفسي في مكان ما دون أن أتذكر كيف وصلت هناك. و ربما أجد نفسي أيضا مع مجموعة من الأشخاص الذين لا أعرفهم و أستغرق بعض الوقت لأتذكرهم. في الواقع كان الأمر يعجبني. فعلا. لم أكن أبدا أشعر بالملل. تخيل أن تجد نفسك في موقف لا تدركه من البداية و تخيل كيف أنك تعمل ذهنك بسرعة للفهم و التعامل معه. بصراحة كان ذلك يثيرني. لطالما عزوت ذلك للكحول و المخدرات التي أتعاطاها. كنت دائما أظن أنها هي السباب في تلك القفزات في الزمان و المكان التي أعيشها. الكحول و المخدرات كانتا وسيلتي الوحيدة للتحكم في غضبي و السيطرة على أفعالي العنيفة. أجل يجب أن أعترف هنا انني شخص يمكن أن يوصف انه عنيف. أرى ذلك في عيون الناس عندما أتعامل معهم. ذلك الخوف الحيواني البدائي الذي يظهر في عيني غزال ترى فهدا يركض نحوها بسرعته المذهلة أو في عيني امرأة ترى رجلا ملثما يقترب منها في مراب سيارات مظلم. اجل ذلك هو الخوف الذي كنت أراه في عيونهم خاصة عندما تنفلت أعصابي. و لذلك كنت ألجأ للخمر و للمخدرات.

ثم كان ذلك اليوم. كالعادة لا أذكر البداية و لا كيف وصلت هناك. فقط اذكر انني فتحت عيني فجأة فشاهدت رجلا يرتدي بدلة أنيقة و يصرخ في وجهي بأعلى صوته. ادرت عيني حولي فوجدت نفسي فيما يشبه قاعة اجتماعات و حولي العديد من الجالسين ينظرون الي. بعضهم يحمل نظرة مشفقة و بعضهم ترى الشماتة أو السخرية في عينيه. الرجل ما زال يصرخ و لعابه يتطاير ليرتطم بوجهي. هنا يجب أن أعترف بشيء اخر. أنا أكره أن يصرخ شخص ما أمامي فما بالك أن يصرخ في وجهي. ذلك يثير جنوني. و لكن ما أكرهه كالموت هو ان يرشني شخص ما برذاذ لعابه. لا أطيق أن يلمس شيء ما جسجي دون اذني فما بالك بقذارة هذا الرجل الكريه.
و هكذا و بسرعة رفعت منفظة سجائر ثقيلة كنت أعرف لسبب لا أدريه أنها موجودة امامي و هويت بها على رأس الرجل. شاهدت نظرة الذهول في عينية و خط الدم يسيل بينهما فضربت مرة أخرى. و أخرى. و اخرى. ثم شعرت بالأيادي التي تكبلني و تسقطني أرضا و سمعت عواء الفتيات الموجودا في القاعة. و أنا أكره عواء النساء.

بعد ذلك اختفت الموجودات. عندما عدت للادراك مرة أخرى, كنت في قاعة أخرى أتلقى صفعات من شرطي بدين يبدو مستمتعا بعمله. ثم اختفت الموجودات مرة أخرى.
فجاة شعرت بوجوده. كان الظلام و الصمت تامين حولي و لكني شعرت به كما يشعر قاطن الضقة بمن يمشي في ردهتها. أحسست بوجود شيء ما. لا لم أتخيل أنه شخص. يالنسبة لي كان كينونة غامضة تملأ الصمت و الظلام المحيطين. سألته من يكون فلم يرد. حاولت الاقتراب منه دون ان أدرك في أي اتجاه أسير, فقط كمن أدرك أن اتجاهي صحيح. لكنه ابتعد عني. أطلقت سبة و أنا أصرخ فيه أن يظهر. عندئذ سمعت صوتا يتحدث. لست ادري لماذا و لكني كنت أعرف أن هذا ليس صوت ذلك الكيان. بدا الأشياء و الأشكال تظهر حولي تدريجيا و فتحت عيني لأشاهد الدكتوره هيفاء لأول مرة.
حسب ما قالته لي فهي طبيبة نفسية و وجودها هو محاولة لتفسير نوبة غضب أصابتني فجأة و جعلتني أهشم رأس رئيسي في العمل في اجتماع بالشركة. اذن فذلك الكريه الذي يسيل لعابه ككلب مسعور هو مديري؟ انه يستحق ما فعلته به. ما الذي حصل له؟ لم تشأ أن تخبرني. سألتني ان كنت أتذكر من أكون. اجبتها بثقة و أنا أدرك الاعيب هؤلاء الاطباء النفسيين. طرحت علي بعض الاسئلة الأخرى حول طفولتي و عائلتي و لكنني توخيت الحذر هذه المرة و لم استرسل معها كثيرا في الحديث. عندما أدركت أنها لن تحصل منى على أي معلومة شكرتني و غادرت القاعة.
تطررت لقاءاتنا انا و الدكتورة هيفاء. تحدثنا في عديد المواضيع. فقدت حذري شيئا فشيئا و أصبحت أحدثها بكل ما يجول بخاطري. كأنني كنت أنتظر في يوم من الأيام شخصا أفتح أمامه صندوق أسراري.

بعد عدة أسابيع, جلست أمامي في يوم من الأيام و قالت: سفيان أيد أن أقول لك شيئا ما.
أجبتها بالصمت المنتظر فقالت: أنت مصاب بانفصام في الشخصية. لديك شخصيتان مختلفتان تعيشان مع بعضهما دون ا تدرك أي منهما وجود الاخرى.
لكم أن تتصوروا حجم الصدمة التي شعرت بها. كانت كمن ألقى قنبلة يدوية أمامي بعد أن وضهني في صندوق محكم الاغلاق. لقد مزقتني تماما. انفصام؟ شخصية أخرى؟؟ ما معنى هذا؟؟ كيف يكن أن يكون هذا ممكنا؟ أن ينتحل شخص ما شخصيتك و يستعمل جسدك للقيام بأشياء لا تعرف عنها شيئا؟ شعرت فجأة أنه تم اغتصابي لسنوات طوال.
كنت غارقا في تلك الأفكار و الأسئلة التي تتقارع داخل جمجمتي كأنها تعرف نغما مجنونا ما, عندما أكملت الدكتورة هيفاء: سفيان. هناك شيء اخر.
ما زلت صامتا أنظلر اليها.
تكمل ببطء: أنت لست شخصية حقيقية. أنت الشخصية الثانية لشخص يدعى محمد السحباني. اخترعك في فترة ما من حياته لم أصل الى معرفتها بعد. أنت لست موجودا. أنت مجرد خيال في عقل يجب أن يعالج. يجب أن تدرك ذلك.
هذه المرة ألقت بين قدمي قنبلة نووية. ماالذي تقوله هذه الخرقاء؟ أنا شخص اخترعني رجل مريض؟ أنا لست حقيقيا؟ و ذكرياتي؟؟ و حياتي؟ و صراعاتي؟؟؟ هل أن كل ذلك كان وهما؟ ألم أعش تلك الطفولة التي أتذكرها؟ ألم أعش تلك المغامرات التي أتذكرها؟ مستحيل. لا يمكن أن يكون ما تقوله حقيقيا. هي مناورة أخرى من مناوراتها. ربما أكون مصابا بالنفصام فعلا. و لكني أنا الأصل. أنا الأول. و الاخر مجرد دخيل. لا يمكن أن يكون العكس صحيحا.
نهضت الطبيبة قائلة: يجب أن تدرك ذلك حتى نتمكن من العمل على علاجك و انقاذك من تهمة القتل العمد.
اذن فالأحمق قد مات؟ لا بأس.

في تلك الليلة قابلت ذلك المدعو محمد السحباني لأول مرة. ما أضعفه و ما أجبنه. ثم انه لا يشبهني أبدا. عندما أنظر الى نفسي في المراة أرى ملامح أكثر وسامة من هذا الرجل الهزيل أمامي. ها هو ذا يقف لأول مرة أمامي في تلك العتمة متوسلا أن أنقذنا. ها هو يبكي و المخاط يسيل من أنفه و هو يقول أنه لم يستطع أبدا أن يواجه شيئا في حياته. , انه منذ اغتصبه والده عندما كان طفلا صغيرا مرات و مرات, لم يعد قادرا على الاستمرار في العيش. و أنه اضطر لبعثي من العدم في تلك الفترة كي أواجه الحياة التي لم يعد يستطيغ مواجهتها. و أن وفاة أبيه اختناقا بالغاز لم يكن حادثا البتة بل هو من فعلي أنا سفيان.
أثار جبنه و توسله غيظي. صحيح أنني أكره من يصرخ في وجهي و لا اتحمل من يتطاير لعابه في وجهي و لكني أمقت الجبناء مقتا تاما. كالموت.
و هكذا انقضضت عليه و أحكمت قبضتي حول عنقه. أراه يحاول المقاومة. لكني ادرك انه يمثل المقاومة و لا يقاوم فعلا. هو يريد فعلا الموت. و يريدني أنا ان أكون هو. أن أكون انا. فقط. واصلت قبضتاي الضغط على حنجرته و شعرت بروحه تغادره و تتسلل الي عبر أصابعي. أحسست به صار جزءا مني بعد أن كنت جزءا منه.
عندما انتهى الأمر كنت وحدي. و كنت أدرك انه لن تعود هناك بقع سوداء في ذاكرتي لأانني سأحيا حياتي كاملة. فقط يجب أن أضع خطة محكمة لاقناع الطبيبة الحمقاء بأنني محمد و بأنني شفيت. و في الواقع أنا شفيت فعلا. لم أعد اثنين يتزاحمان بل واحدا.عندما أخرج سأجد طريقة ما لشكرها على كشفها الحقيقة كاملة أمامي.
أما الان فلأنم. فغد عصر اخر ينتظرني