آخر كلمات أقولها لك

آخر كلمات أقولها لك

 آمل أن تقرئي رسالتي كاملة، و أن تتحاملي على غضبك، لأنها آخر كلمات أقولها لك..
حين كنت أستمع الى الأغنية الشّهيرة (نسيت حتى العنوان و اسم المغني، لم يعد لي ذهنٌ صاف)
« only you know you love her when you let her go
And you let here go »
كنت أسخر من كاتب الكلمات ، و من المغنّي على حدّ سواء، و كنت أعتبرها مجرّد أغنية تجاريّة رخيصة، فكيف يقع أن لا نحس بالحبّ الّا عند الفقد؟ ألا يوجد الحب في الوسط، أثناء قرب الحبيبين؟ كيف تكيّف العلاقة اذن، ك”علاقة حب”؟ أليس هذا ضربا من العبث؟
ثمّ كيف يتجرأ الحبيب على ترك حبيبته على الرّغم من أنه يحّبها أصلا؟ هل يلتقي الحب و الاهمال؟ أهو حبّ من الأساس ان كان على هاته الشّاكلة؟ ما هذا الهراء؟ لم يستمع الكثير الى هاته الأغنية ؟ يحبّونها ويردّدونها؟
لو استطعت مراسلة كاتب الكلمات اليوم، لقلت له ” كم أنت رائع” ، لأنه كتب ببساطة حقيقة صرفة.
أنا لم أعلم أبدا الى أي مدى أحبكّ، الى أي مدى أعـــشقك، الّا حين تركتك.
و لم أعِ حجم الخسارة الشّديدة، الاّ حين فقدتك نهائيّا.
لم أتوقع أن أكون بهذا الغباء الشديد، كيف لم أحادثك ساعات طوالاً؟ كيف لم أستمع الى صوتك الى مطلع الفجر؟ لم أضعت الساعات في كتابة كلمات و قراءة كلمات لا تغني و لا تسمن من جوع؟ لم يصفعني النّدم كل يوم حين أستيقظ و لا أجد رسائلك المعتادة ” اتصل بي، أرجوك” ؟
بلغت بي الوقاحة أن أتحدث معك بشرود، أن أمضي الكثير من الوقت شاردا، ناسيا أن يوما كمثل هذا اليوم ممكن الحدوث، يوم ألتفت فلا أجدك فيه بجانبي،و لا يبقى لي سوى اجترار أيامي معك، اجترار صورنا، اجترار رسائلنا، التحول الى جدي بليد مجترّ.. أجد فيه نفسي وحيدا بين العديد من الفتيات، التّي لا تشبهك احداهن، لا ابتسامة كابتسامتك، لا عينان كعينيك العسليّتان، لا شفتان كشفتيك، و لا حتّي تذّمر كتذمّرك، كم أشتاق الى تذمّرك و شكواك، لو تعلمين.
الكارثة أنني أتحمل نتيجة كلّ ما حصل، يأكلني الندم كل يوم، لو اهتممتُ أكثر بقليل، لو صمّمت أكثر، لو ضحّيت؟ الآن أفهم معنى تلك الكلمة التي رددتها كثيرا، عن ماذا تنازلت حتى أحتفظ بك بين يدي؟
لم يعد شيئ كما كان، لا الأماكن التي ذهبنا اليها سويا، لا الأغاني الّتي استمعنا اليها معاً، و لا حتى الفراش الذي يجمعنا، أصبحت أتقلب فيه دون نوم كالمسعور، لأنه لم يعد يعبق برائحتك. تحوّل كل شيء الى اللون الرمادي البارد.
لم أستطع استيعاب صورتك تحتفلين على الفايس بوك،بخطبتك من شخص آخر، مع وجه أصفر ضاحك و قلب، حتى أنني لم أستطع مواصلة صعود سلّم المنزل ، و انهرت تقريبا،على القاعة.
انا الذي يجب أن يكون معك في تلك الصورة، أنا من كان من المفروض أن يهديك وردةً حمراء، و أن بعزف لك مقطوعة !جميلة ، و يجلب لك خاتما تحلّين به بنصرك
أعلم أنك على الرغم من رمز الوجه الضاحك الذي أرفقتهِ بالصورة، الا أنه بالفعل ، ضحكة “صفراء” ، لأنني رأبت حزنا عميقا في عينيكِ، كإعلان للهزيمة، أو قبول لما آلت اليه الأمور ، أمور كنت انا المسؤول الأكبر عنها بتعجرفي.
حاول الجميع مواساتي، بدءًا بأصدقائي و انتهاء بنفسي،لم أعلم أنني سأبكي بكل هاته الحرقة الشديدة، أين كانت هذه الدموع حين كنت تنتظرين منّي كلمة في الليل أو وسط النهّار؟ أين كان كلّ هذا الحب حين أنزع كل مرة نحو قطع العلاقة معك، فتقومين أنت ب”التضحية” و انقاذها؟
بدأ الجميع بمواساتي عبر اسطوانة النسيان و الآخر الذي سيأتي لانتشالي و تحذيري الشديد من محاولة الاتصال بك أو الضهور بمظهر الضعيف أمامك كي لا أفقد المزيد و لا أتألم أكثر، الّا أنني لا أعبأ كثيرا بنصائحهم الجاهزة، فها أنا ذا أعلن هزيمتي السّاحقة أمام حبّك القاتل، و سقوط كلّ شيء في مستنقع عكرٍ مع غيابك و رحيلك “الرّسمي” هذه المرّة.
كيف سأواجه هذا العالم دونك؟ كيف سأذهب الى الكليّة وحيدا؟ ألن تأتي ككل يوم كي نذهب معًا؟ كيف سأتحمّل رؤيتك من بعيد دون الجلوس بقربك و معانقتك؟ بل كيف أتحمّل فكرة أن يعانقك شخص آخر،أو يقبلك شخص آخر، !غيري أنا؟ يا الهي
كنت أفزع كثيرا من فكرة الزّواج، و الارتباط بشريك واحد يخنقك كلّ يوم، و كنت شديد التأثر بالنظرية اللينينيّة التي تعتبر أن الزواج ليس الا ضربا من احتكار لجسد المراة على الطريقة الرأسمالية، و ليس اذن، الا نوعا من الاستعباد للطرّفين.
كم أتمنى اليوم، أن أصبح عبدك، أن أتحوّل الى خادم لك،كم كنت تافها حين اعتبرت الزواج بانسانة مثلك ضربا من الاستعباد، فكم كنت حرّا و أنت بين ذراعيّ، و كم كنت سيّد نفسي حين أساعدك في كتابة الدرس في المحاضرة أو حين تقومين بنسخ ما ينقصني، !كم أنا اليوم عبدُ الوحدة، و أسير النّدم، و سجين الاحتياج لكلمة منك
لن أطلب منك شيئا، لأني جئت متأخرا كثيرا، أنا الآن الخاسر الكبير،
أردت فقط أن لا أظل صامتا، لأن الصمت يخنقني و يقتلني كلّ يوم، لأنني أنهار يوما بعد يوم دونك، و أفقد المزيد من الوزن ، و تدهور صحتي بشكل مستمر،.أردت فقط، أن تستمعي اليّ قليلا، مثلما استمعت الى هرائي كثيرا لأشهر.
كم فكرت حينها في الانتحار، و أفكر به جدّيا كلّ يوم،في انهاء كل شيء و التخلص من الجحيم الذي أصبحت أعيشه، أحس أن كل الأبواب أوصدت في وجهي و أنني أصبحت في هذا العالم وحيدا دونك، أنا أعمل كل يوم لخمس ساعات حتى أستطيع تسديد أجر السكن و طعامي القليل، أعمل بذهن شارد حتى أن مدير العمل استدعاني لمكتبه و استفسرني ان كانت لي مشاكل شخصية تعيقني عن العمل، لأنه رأى عيناي تمتلأن دمعا أثناء العمل ،و كم خجلت من ذلك.
أتمنى أن تجدي السعادة في حياتك الجديدة، لكن تأكدي جيدا أنني لا أزال أحبك بشدة، و أنني أتألم كل يوم، كل دقيقة، لكني لا أستجدي أيّ عطف منك ، أردت فقط، كما قلت، أن تستمعي لي.

بقلم: حمادي الخليفي